د. فادية دعيبس مراد حارسة مياهنا المقدسة: وداعا
في الطريق إلى الزبابدة مسقط رأسها، كان علينا أن نطلع جبالا ونقطع تلالا وسهولا تزدان بالزرع والشجر وأزهار الأرض التي عانقت في جمال صفحة السماء، بما يلائم ربيع فلسطين، لكن ثمة حزن يرحل بنا، ويأخذنا من هذا الربيع إلى خريف جاء مبكرا جدا مع هذه الإنسانة التي فقدناه مع أعياد الربيع وأعياد الأرض والأم، وهي أخت وأم كما تكون أروع الأخوات والأمهات.
تحت الأرض ماء عاشت لأجله، وفوق الأرض ماء العين تذرفه دموع عيون قرويي الزبابدة وصانور والمسلية والشهداء وقباطية وعرابة وبرقين، ومزارعي مرج بن عامر ومزارعاته؛ فهذا موسم للحزن مقيم، ما أقام افتقادنا للبدر في ليال الظلمات، فكم من مجلس آت سنفتقد فيه هذه المناضلة الفلسطينية المدافعة بشجاعة عن حياتنا؛ فقد جعل من الماء كل شيء حيا!
آخر محطاتها كانت مشاركتها في مؤتمر تركيا، ولولا أن غيبها الموت، لجادت علينا، كسيرتها دائما بمعلوماتها حول ما وصل إليه ملف قضية المياه في فلسطين، والذي حملته روحيا ووطنيا أكثر منه تكليفا رسميا!
أسير في مرج صانور العظيم، فتأبى عباراتها إلا الحضور!
كما حضرت دائما في حياتها كلما عانينا من قلة الماء، وكلما شكا مزارع من موت نباتاته عطشا، والماء قريب منه، لكنه محروم منه بأمر عسكري!
كم تساءلت د. فادية: كيف تكون هناك إمكانيات مثلاً لحفر بئر ارتوازي لدى المواطنين، لكنهم لا يستطيعون ذلك، لأن هناك أوامر لسلطات الاحتلال تمنع ذلك.
المواطنون هنا هم الفلاحون والمزارعون الذين بجهودهم صارت الأرض بساطا مزركشا، ولو أنهم مكنوا من مائهم لجعلوها خضراء دائمة..
قبل عام، أجرت مؤسسة سويس إنفو (swissinfo) بيرن، سويسرا، في 18 أبريل 2008 لقاء مهما مع الراحلة د. فادية دعيبس مراد الخبيرة الفلسطينية الدولية في قضية المياه، نوهت فيه إلى قضية مهمة، حين أعلنتها بكل صراحة أن موضوع المياه في فلسطين هو أمر حقوقي وليس سياسيا فقط! في سياق إثارتها موضوع "العلاقة بين حقوق الإنسان والفقر والسيطرة على مصادر المياه والأراضي الزراعية" على هامش الاجتماع السنوي للفرع السويسري لمنظمة العفو الدولية في برن.
كان من الطبيعي أن تتحدث د. فادية للجمهور الغربي عن ارتباط المياه بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي الواضح جدا. مبينة أن المياه كانت من الأسباب التي تم بها الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، مشيرة إلى أن المياه كان لها دور إستراتيجي في الخطة الصهيونية، خصوصا في رسم حدود دولتهم، "فحتى الآن، لا توجد حدود رسمية، ولكن نحن نعلم أن إسرائيل عمدت إلى تضمين أكبر ما يمكن من منابع المياه خاصة في نهر الأردن ضمن حدود دولتها. وهذا واضح من خلال استيلائهم على هضبة الجولان حيث توجد منابع نهر الأردن، والاستيلاء على الضفة الغربية التي يقبع تحت أراضيها الحوض الجوفي الكبير الذي تستغل منه إسرائيل 40% من احتياجاتها المنزلية والزراعية وغيرها".
كانت رحمها الله صريحة وجريئة في توقعاتها من السياسة الإسرائيلية في قضية المياه، إحدى قضايا الحل النهائي أو الدائم!
ففي معرض سؤال وجه لها حول نتيجة الجهود والأعمال والتوقعات المستقبلية قالت د.فاديه: "ليس لي أمل كبير فيما قيل أو سيقال لأنني أعمل في هذا الميدان منذ 15 سنة..." لكن ورغم هذا التشاؤم بالاحتلال بالطبع، إلا أنها أبقت باب الأمل مفتوحا كي نتفاءل دون أن نفرط في تفاؤلنا، فقد أردفت د. فادية تقول: "لكنني أجد أنه يجب أن نواصل المعلومات عما يحدث، ولكن بدون الإرادة السياسية للدول، وبدون الضغط والحملات على صانعي القرار لن يتغير شيء برأيي، نحن مجرد رسل وعلينا أن نتعلم كيف نوصل رسائلنا، ولا أعتقد أننا نجحنا بشكل كبير حتى الآن".
نسير مع المشيعين، ونجلس، ونتذكر، والكل يبكيها، الأهل والأصدقاء، الفنانون الذين انتمت إليهم وارتبطت بهم، الساسة، والمثقفون، والناس الذي صاروا كلهم أهل بلدها..
تستحق فعلا أن نبكيها إنسانة أولا، ومدافعة عنا ثانيا دفاعا لا يلين، وهجوما على المحتلين!
دائما أثارت الراحلة حقوقنا المائية، ودافعت عنها، مهاجمة سياسات الاحتلال، موضحة مفصلة معلمة من لا يعلم، أو من لا يريد!
تحدثت عما قامت به إسرائيل ب"تحويل مياه نهر الأردن خارج منطقة الحوض لري صحراء النقب وتحويلها إلى منطقة خضراء قابلة للحياة، بينما تحرم السكان الفلسطينيين الأصليين يوميا من مقومات الحياة من مياه وغذاء وبيئة نظيفة".
وعن"عدم التكافؤ في استخدام المياه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فالحوض المائي الجوفي الذي يوجد تحت الضفة الغربية، تستخدم منه إسرائيل 85% بينما يستخدم الفلسطينيون 15%، وهو ما يوضح الفجوة ويوضح السيطرة التي سمحت لإسرائيل بإصدار القرارات العسكرية بمنع تطوير أية مصادر مائية جديدة مثل حفر آبار جديدة وغير ذلك. تسرق إسرائيل مياهنا ثم تبيعنا إياها، وقد بلغت بها الوقاحة أن تحرمنا منها!
وتحدثت عن استهلاك المواطن الفلسطيني والمستوطن الإسرائيلي، وعن كارثة غزة الكبرى لأن حوض غزة هو حوض مستنزف ومهدد بالاختراق من قبل مياه الصرف ومياه البحر، وذلك بسبب الزيادة في الاستخدام من هذا الحوض ونظرا لعدم وجود رقابة على عملية الاستخدام بسبب غياب القانون والمشاكل الداخلية والخارجية...
في كل المنابر تحدثت د. فادية بلغة يتفهمها المواطن الغربي، مثيرة المفارقة العجيبة والظالمة بين استهلاك الماء للمواطنين الأصليين والمحتلين؛ فدائما كانت تقول: نحن كشعب مُنتهكة حقوقه نحتاج إلى تحضير الحجج والبيانات الكافية التي تثبت أن هذا الموضوع ليس موضوعا سياسيا بل هو حقوقي بالأساس يتم تسييسه لأمور سياسية وأجندات واضحة، ويجب أن نعلن للجميع حتى يتم التعامل مع هذا الموضوع كحق أساسي وأن نجد له العلاج أو الاستجابة الصحيحة.
بداية تعارفنا إليها حين حصلت على جائزة مؤسسة إدبرج السويدية عام 2005، والتي جاءت تتويجاً لدورها في مجال البيئة والقضايا المتعلقة بالمياه في فلسطين والشرق الأوسط، ومؤشراً على إيمان المؤسسات العالمية بالحقوق الفلسطينية وتضامنها مع مطالب الشعب الفلسطيني العادلة..
أسير في سهول جنين متجها إلى الزبابدة فأتذكر مناضلة صلبة حملت معها حقوق الفلاحين والمزارعين هنا وفي كل فلسطين إلى أصقاع الدنيا، فأتذكر بحزن حين قالت لي وقتها أنها توجهت أصلاً في دراستها للدكتوراة للقانون الدولي مع أن تخصصها في البكالوريوس هو الهندسة، وفي الماجستير مياه، نبع من إيمانها بدور القانون والعلم معاً في فتح المجال لاقتراحات إبداعية في الحلول العادلة، فلا سلام بدون عدالة، ولا حياة بدون عدل، وبلا مياه.
قضت د. فادية دعيبس مراد سنواتها الـ 17 عاما وهي تعمل وتدرس وتبحث في القضايا المتعلقة بالمياه في فلسطين، حيث مارست عملها في مجال التخطيط ورسم الاستراتيجيات والمساهمة في صياغة القوانين مثل قانون الماء الفلسطيني، وكانت رحمها الله مستشارة لعدة مؤسسات أجنبية في قضايا المياه في فلسطين، وكانت معروفة على المستوى المهني بامتلاكها لقاعدة معلومات قوية في موضوع تخصصها، إضافة لعدة كتب ألفتها وحررتها، مساهمة في خلق أدبيات تعنى بالحقوق المائية، إضافة إلى اقتناعها الشخصي بالهدف الذي تسعى إليه والذي يعطي نتائج طيبة للجميع.
وكانت نشطة في حضور المؤتمرات، وكانت تسعد بأن أفكارها في الموضوع تلاقي القبول في الخارج، معتبرة بأن قضية المياه قضية شخصية لها.
ما زال الاحتلال، وما زالت يصادر ممتلكاتنا..ولكن لنا أن نتذكر ثقة د. فادية دعيبس مراد الكبيرة في المستقبل، وهي التي ظلت متفائلة بوجود مستقبل سياسي يستند إلى تحقيق مصلحة الشعب الفلسطيني في حقوقه المائية والبيئية.
ومع أن الراحلة كانت مهتمة بقضية ليست سهلة، والتي تطلبت منها سهرا ومتابعة، إلا أنها رحمها الله كانت ناشطة مجتمعيا، في عدد من القضايا المجتمعية التطويرية، إضافة لممارستها وتذوقها للفن، مما يعني أننا افتقدنا شخصية فريدة، خسرها الشعب الفلسطيني..شخصية نمت من هذا التراب الطيب والماء الطيبة..
"وجعلنا من الماء كل شيء حي"
سيطول تذكرنا لك ما كانت الماء، همك التي قضيت في سبيله شاهدة وشهيدة؛ فقد سكنتك قضية شعبك سنوات العمر الذي حاكى عمر الزهر، لكن ذكراك ستطول قبل الزهر وبعده، وعزاؤنا أن الناس هنا سيتعرفون عليك دائما، ويترحمون..
ولسعيد مراد الفنان والإنسان وشريكها في الحياة، أن يتابع الحياة، كما أرادتها د. فادية، حياة ملؤها الماء والفن والجمال، ولولديها، ولأهلها، ولنا الصبر والسلوان..
رحمك الله من أخت ومناضلة وأم وصديقة..




أضف تعليقك